ابن كثير

189

البداية والنهاية

وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم ( 1 ) قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ويح قريش ! قد أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب ، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فما تظن قريش ، فوالله لا أزال أجاهد على هذا الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ، ثم قال : من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟ . قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر : أن رجلا من أسلم قال : أنا يا رسول الله فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب ، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين فأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ للناس ] ( 2 ) : قولوا نستغفر الله ونتوب إليه ، فقالوا ذلك ! فقال : والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها . قال ابن شهاب . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال : اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض ، في طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة . قال : فسلك الجيش ذلك الطريق ، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ، ركضوا راجعين إلى قريش . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته ، فقال الناس : خلات فقال : ما خلات وما هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة . لا تدعوني قريش اليوم إلى خطه يسألوني فيها صلة الرحم ألا أعطيتهم إياها . ثم قال للناس : انزلوا . قيل له يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه . فأخرج سهما من كنانته ، فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه . فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن . قال ابن إسحاق : فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم : أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن إسحاق : وقد زعم بعض أهل العلم : أن البراء بن عازب كان يقول : أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم أي ذلك كان . ثم استدل ابن إسحاق للأول أن جارية من الأنصار جاءت البئر وناجية أسفله يميح فقالت : يا أيها المائح دلوي دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا يثنون خيرا ويمجدونكا فأجابها فقال : قد علمت جارية يمانية * أني أنا المائح واسمي ناجية وطعنة ذات رشاش واهية * طعنتها عند صدور العادية قال الزهري في حديثه : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء ، في رجال من خزاعة ، فكلموه وسألوه ما الذي جاء به ؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا ، وإنما جاء زائرا

--> ( 1 ) كراع الغميم : موضع بين مكة والمدينة ، وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال . ( 2 ) من ابن هشام